تُصادف هذا العام الذكرى الخامسة والعشرون لاعتماد أجندة المرأة والسلام والأمن (WPS)، التي مثّلت تحوّلاً عالمياً في الاعتراف بالدور الجوهري للمرأة في منع النزاعات، وبناء السلام، ودفع جهود الإغاثة والتعافي، وضمان حمايتها في أوقات النزاع وما بعدها.
ورغم التقدم في مجالات المشاركة السياسية وصنع القرار، ما تزال الوساطة من أكثر المسارات التي تشهد تمثيلاً محدوداً للنساء، رغم ما يقدمنه من إسهامات فعالة وأدوار إيجابية، إذ تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن «إشراك النساء في المفاوضات يزيد من فرص استدامة اتفاقيات السلام بنسبة 35%، بحيث يضيف حضورهن بعداً إنسانياً ومجتمعياً يدمج العدالة والمصالحة، وإعادة الإعمار في صلب الاتفاقات».
وأتثبت التجارب العالمية – من ليبيريا إلى كولومبيا وإيرلندا الشمالية – أن مشاركة النساء ليست التزاماً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة لا يمكن تجاوزها لتحقيق سلام حقيقي ودائم، وقد أولت دولة الإمارات هذا البعد اهتماماً استراتيجياً في عملها الدبلوماسي، إيماناً من قيادتنا الرشيدة بدور المرأة في بناء السلام، وترسيخ قيم التسامح، ابتداءً من الأسرة وحتى العمل الدبلوماسي والسياسي. كما شهدت بعثات حفظ السلام الأممية تزايداً لافتاً في حضور النساء، إذ ارتفعت نسبتهن من 1% عام 1993 إلى نحو 8% عام 2022، مع مشاركة أكبر في القيادة المدنية التي بلغت 30%، وتوضح الأمم المتحدة أن «وجود النساء في الميدان يعزز من الثقة مع المجتمعات المحلية، ويحسن التواصل ما يجعل عمليات السلام أكثر فاعلية واستدامة».
ومع ذلك، لا تزال الوساطة الرسمية تعاني ضعف التمثيل النسائي، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن النساء شكلن بين عامي 1992 و2019 نحو 6% فقط من الوسطاء و13% من المفاوضين، لترتفع النسبة عام 2023 إلى 9.6% من المفاوضين و13.7% من الوسطاء، وهي فجوة تعود إلى عوامل ثقافية ومؤسسية وهيكلية تحد من وصول النساء إلى مواقع صنع القرار، وغياب الدعم والتمويل لبرامج إعداد الوسيطات وتأهيلهن.
إن الانتقال من التوصيات إلى الفعل يتطلب بناء شبكات دولية وإقليمية للوسيطات، وتوفير برامج تدريب مهني متخصصة في مهارات التفاوض وإدارة النزاعات مع تأسيس منصات نسائية ضمن منظومة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية لتنسيق الجهود، وضمان مشاركة حقيقية للنساء في جميع مراحل التفاوض. ولقد أدركت دولة الإمارات باكراً أن السلام الشامل لا يتحقق إلا بتمثيل متوازن للمرأة والرجل في مؤسسات صنع القرار، فالدبلوماسية الإماراتية قدمت نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة، إذ إن الإماراتيات يشغلن مناصب قيادية في البعثات الدولية، ويشاركن في المفاوضات متعددة الأطراف مجسدات رؤية الدولة في بناء عالم أكثر عدلاً وشمولاً. إن تمكين النساء في الوساطة يمثل ركيزة لتحقيق سلام إنساني مستدام، يعكس مصالح جميع فئات المجتمعات، ويؤكد أن استدامة الأمن العالمي تمر عبر تمكين نصف المجتمع من صنع مستقبل أكثر توازناً وإنصافاً.
*نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية


